فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشعراوي:

{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا}.
وتعرض بلقيس رأيها {إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34]، ذلك لأنهم يريدون مُلْكًا، فينهبون كل ما يمرُّون به بل ويُخربون ويفسدون لماذا؟ لأنهم ساعةَ يصل الملِك المغير لا يضمن النصر؛ لذلك يُخرِّب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور قد استقرتْ له يحافظ على الأشياء ولا يُخربها.
{وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} [النمل: 34] لأن الملْك يقوم على أنقاض مُلْك قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول مَنْ يُبدأ بهم؛ لأن الأمر أُخِذ من أيديهم، وسوف يسعَوْن لاستعادته، ولابد أنْ يكون عندهم غَيْظ ولَدَد في الخصومة.
أما قوله تعالى: {وكذلك يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] فللعلماء فيه كلام: قالوا إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها السابق، لكن ماذا يضيف {وكذلك يَفْعَلُونَ} [النمل: 34] بعد أن قالت {إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} [النمل: 34].
فالرأي الصواب أن هذه العبارة من الحق سبحانه وتعالى ليُصدِّق على كلامها، وأنها أصابت في رأيها، فكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية، مما يدل على أن الحق سبحانه رب الخلْق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)}.
بعد أنْ ترك لها المستشارون الأمر والتدبير أخذتْ تُعمِل عقلها، وتستخدم فطنتها وخبرتها بحياة الملوك، فقالت: إنْ كان سليمان مَلِكًا فسوف يطمع في خيرنا، وإنْ كان نبيًا فلن يهتم بشيء منه، فقررتْ أنْ تُرسل له هدية تناسب مكانته كملك ومكانتها هي أيضًا، لتثبت له أنها على جانب كبير من الثراء والغنى.
ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك، أو كما نقول تلوحه أو تلويه.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} [النمل: 35] فإنْ كان ملكًا قَبِلها، وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تُسَاق إليه كل عام، وإنْ كان نبيًا فلن يقبل منها شيئًا، وهذا رَأْي جميل من بلقيس يدل على فِطْنتها وذكائها وحصافتها، حيث جنَّبتْ قومها ويلات الحرب والمواجهة.
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)} أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ} [النمل: 36] فأيُّ هدية هذه، وأنا أملك مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعدي؟ {بَلْ} [النمل: 36] يعني: اضرب عن الكلام السابق {أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36].
أضاف الهدية إليهم، لا إليه هو، والإضافة تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد، أو: بمعنى من مثل: إردب قمح يعني: من قمح، أو: بمعنى في مثل: مكر الليلَ يعني: في الليل.
فقوله: {بِهَدِيَّتِكُمْ} [النمل: 36] إما أن يكون المراد: هدية لكم. أي: فأنتم تفرحون إنْ جاءتكم هدية من أحد، أو لأنني سأردُّها إليكم فتفرحوا بردِّها كمَنْ يقول بركة يا جامع أو: هدية منكم. أي: أنكم تفرحون إنْ أهديتم لي هدية فقبلتُها منكم.
فهذه معَانٍ ثلاثة لقوله: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل: 36].
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)}.
نذكر أن الملكة قالت {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} [النمل: 35] فكأنه يستشعر نصَّ ما قالت، وينطق عن إشراقات النبوة فيه، فيقول: {ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} [النمل: 37].
وهكذا دخلتْ المسألة في طَوْر المواجهة؛ لأن كلامنا كلامُ النبوة التي لا تقبل المساومة، لا كلام الملك الذي يسعى لحطام الدنيا.
{وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] وكأنه يكشف لهم عن قَوْل ملكتهم: {إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجعلوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} [النمل: 34] وهذه أيضًا من إشراقات النبوة.
ومعنى {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} [النمل: 37] تقول: لا قِبَل لي بكذا. يعني: لا أستطيع مقابلته، وأنا أضعف من أنْ أقابله، أَوْ لا طاقة لي به {وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً} [النمل: 37] لأنه سيسلب مُلْكهم، فبعد أنْ كانوا ملوكًا صاروا عبيدًا، ثم يزيد في حِدّته عليهم {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] لأنهم قد يقبلون حالة العبودية وعيشة الرعية، فزاد {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 37] لأن الصَّغَار لا يكون إلا بالقَتْل والأَسْر. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
قوله: {وكذلك يَفْعَلُونَ}.
أي: مِثْلَ ذلك الفعلِ يَفْعلون. وهل هذه الجملةُ مِنْ كلامِها وهو الظاهرُ فتكونُ منصوبةً بالقولِ أو مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، فهي استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وهي معترضَةٌ بين قَوْلَيْها؟.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)}.
والهَدِيَّةُ: ما بُعِثَ على جهةِ الإِكرامِ، وهي اسمٌ للمهدى فيحتمل أَنْ يكونَ اسمًا صريحًا، ويُحتملُ أَنْ يكونَ في الأصلِ مصدرًا أُطْلِقَ على اسمِ المفعولِ، وليسَتْ مصدرًا قياسيًا؛ لأنَّ الفعلَ منها أهدى رباعيًا فقياسُ مصدرِه: إهداءً.
قوله: {فَنَاظِرَةٌ} عطفٌ على {مُرْسِلَة} و{بمَ} متعلقٌ ب {يَرجِعُ}. وقد وَهِمَ الحوفيُّ فجعَلَها متعلقةً بناظِرَةٌ وهذا لا يستقيمُ؛ لأنَّ اسمَ الاستفهامِ له صدرُ الكلامِ و{بمَ يَرْجِعُ} مُعَلِّقٌ لناظِرَةٌ.
قوله: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ} أي: فلمَّا جاء الرسولُ، أضمرَه لدلالةِ قَولِها {مُرْسِلَةٌ} فإنه يَسْتَلْزِمُ رسولًا. والمرادُ به الجنسُ لا حقيقةُ رسولٍ واحدٍ بدليلِ خطابِه لهم بالجمع في قوله: {أتُمِدُّونَنِ} إلى آخره. ولذلك قرأ عبد الله {فلمَّا جاءوا} وقرأ: {فارْجِعوا} إليهم اعتبارًا بالأصلِ المشارِ إليه.
قوله: {أَتُمِدُّونَني} استفهامُ إنكارٍ. وقرأ حمزةُ بإدغام نونِ الرفع في نونِ الوقايةِ. وأمَّا الياءُ فإنه يَحْذِفُها وقفًا ويُثْبِتُها وصلًا على قاعدتِه في الزوائد. والباقون بنونَيْنِ على الأصل. وأمَّا الياءُ فإنَّ نافعًا وأبا عمروٍ كحمزةَ يُثْبِتانها وصلًا ويَحْذِفانها وَقْفًا، وابنُ كثيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْن، والباقون يَحْذِفونها في الحالَيْن. ورُويَ عن نافعٍ أنه يَقْرأ بنونٍ واحدة، فتكمَّلَتْ ثلاثُ قراءات، كما في {تأمروني أَعْبُدُ} [الزمر: 64].
قال الزمخشري: فإن قلتَ ما الفرق بين قولِك: أتُمِدُّونني بمال وأنا أَغْنى منكم، وبين أَنْ تقولَه بالفاء؟
قلت: إذا قلتُه بالواوِ فقد جَعَلْتُ مخاطَبي عالمًا بزيادتي عليه في الغِنَى، وهو مَعَ ذلك يَمُدُّني بالمال. وإذا قُلْتُه بالفاءِ فقد جَعَلْتُه مِمَّن خَفِي عليه حالي، وإنما أُخْبِره الساعةَ بما لا أَحْتاجُ معه إلى إمدادهِ كأني أقولُ: أُنْكِرُ عليك ما فَعَلْتَ فإني غَنِيٌّ عنه، وعليه وَرَد قولُه: {فَمَآ آتَانِي الله}. انتهى. وفي هذا الفرِق نَظَرٌ؛ إذ لا يُفهم ذلك بمجردِ الواوِ والفاءِ، ثم إنه لم يُجِبْ عن السؤال الأول: وهو أنه لِمَ عَدَلَ عن قوله: وأنا أغنى منكم إلى قوله: {فَمَآ آتَانِي الله}؟ وجوابُه: أنه ًاسْنِدَ إيتاءُ الغنى إلى اللهِ إظهارًا لنعمتِه عليه، ولو قال: وأنا أغنى منكم، كان في افتخارٌ من غيرِ ذِكْرٍِ لنعمةِ اللهِ عليه.
قوله: {بَلْ أَنتُمْ} إضرابُ انتقالٍ. قال الزمخشري: فإنْ قلتَ: فما وجه الإِضرابِ؟ قلت: لَمَّا أَنْكر عليهم الإِمدادَ، وعَلَّل إنكارَه، أَضْرَبَ عن ذلك إلى بيان السببِ الذي حَمَلَهم عليه، وهو أنَّهم لا يَعْرِفُون سببَ رضا إلاَّ ما يهدى إليهم من حُظوظِ الدنيا التي لا يَعْرِفُون غيرَها. والهديَّة يجوزُ إضافتُه إلى المُهْدي. وإلى المهدى إليه وهي هنا محتملةٌ للأمرَيْن.
قال الشيخ: وهي هنا مضافةٌ للمهدى إليه. وهذا هو الظاهرُ. ويجوز أَنْ تكونَ مضافةً إلى المُهْدِي أي: بل أنتم بهديَّتِكم هذه التي أَهْدَيْتُموها تَفْرَحُوْنَ فَرَحَ افتخارٍ. قلت كيف يَجْعَلُ هذا الأولَ هو الظاهرَ، ولم يُنْقَلْ أنَّ سليمان صلَّى الله عليه وسلَّم أرسلَ إليهم هديةً في هذه الحالةِ حتى يُضيفَها إليهم؟، بل الذي يتعيَّن إضافتُها إلى المُهْدِي.
قوله: {ارجع} الظاهرُ أنَّ الضميرَ يعودُ على الرسولِ. وتقدَّمَتْ قراءةُ عبدِ الله {ارْجِعُوا} وقيل: يعودُ على الهُدْهُدِ.
قوله: {لاَّ قِبَلَ} صفةٌ لجُنودٍ ومعنى لا قِبَلَ: لا طاقَةَ. وحقيقتُه لا مقابلةَ. والضميرُ في {بها} عائدٌ على جنود لأنه جمعُ تكسيرٍ فيجري مجرى المؤنثةِ الواحدةِ كقولهِم: الرجال وأَعْضادُها.
وقرأ عبد الله {بهم} على الأصلِ.
وقوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} حالٌ ثانيةٌ. والظاهرُ أنها مؤكِّدةٌ؛ لأنَّ {أَذِلَّة} تُغْني عنها. إنْ قيل: قولُه: {فَلَنَأْتِيَنَّهم} و{لنُخْرِجَنَّهُمْ} قسمٌ فلابد أن يقعَ. فالجوابُ: أنه مُعَلَّقٌ على شرطٍ حُذِفَ لفَهْمِ المعنى أي: إنْ لم يأْتُوْني مُسْلِمين. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}.
ويقال إِنَّ: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} مِنْ قوْلِها.
ويقال: تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً- عن صفتها- معلومٌ، ثم يُنْظَر فإن كان الداخِلُ عادلًا أزال سُنَّةَ الجَوْرِ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ، وإِنْ كان الداخلُ جائرًا أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ. هذا معلوم؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم، وكما قيل:
يا دولة ليس فيها ** من المعالي شظيهْ

زولى فما أنتِ إِلاّ ** عل الكرام بليهْ

وعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ، يكسرون رقابَ الغاغة، ويُخَلِّصُون الكرامَ من أَسْرِ السِّفْلة، ويأخذ القوس باريها، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والمُنى، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُّحِّ وصِغَرِ الهمة وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته. ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته، وأَبْطَلَتْ نضارتَه، فتخرب أوطانُ الحقائق، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفوال، وعند ذلك، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)}.
جاء في القصة أنها بعثت إلى سليمانَ بهدايا، ومن جملتها لَبِنَةٌ مصنوعةٌ من الفضة وأخرى من الذهب. وأن اللَّهَ أخبر سليمانَ بذلك، وأوحى إليه في معناه. وأمَرَ سليمانُ الشياطينَ حتى بَنَوْا بساحة منزله ميدانًا، وأمرهم أن يفرشوا الميدان بهيئة اللَّبنِ المصنوعِ من الذهب والفضة من أوله. إلى آخره. وأَمَرَ بأن توقف الدوابُّ على ذلك وألا تُنَظَّفَ آثارُها من رَوْثٍ وغيره، وأن يُتْرَكَ موضعان لِلَبِنَتَيْنِ خالِيَيْن في ممرِّ الدخول. وأقبل رُسُلُها، وكانت معهم اللبنتان ملفوفتين، فلمَّا رَأَوْا الأمر، ووقعت أبصارُهم على طريقهم، صَغُرَ في أعينهم ما كان معهم، وخَجِلوا من تقديم ذلك إلى سليمان ووقعوا في الفكرة كيف يتخلصون مما معهم؟. فلمَّا رأوا موضع اللَّبنَتَيْن فارغا ظنُّوا أن ذلك سُرِق من بينها، فقالوا لو أظهرنا نُسِبْنا إلى أنَّا سرقناهما من هذا الموضع، فطرحاهما في الموضع الخالي، ودَخَلاَ على سليمان.
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)}.
أتهدونني مالًا؟ وهل مثلي يُسْتَمالُ بمثل هذه الأفعال؟ إنكم وأمثالكم تعامِلُون بمثل ما عوملتم! ارجع إليهم:-.
{ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ}.
فلمَّا رجعوا إلى بلقيس، وأخبروها بما شاهدوا وسمعوا علمت أنه لا وَجْه لها سوى الاستسلام والطاعة، فَعَزَمَتْ على المسير إلى خدمته، وأوحى الله إلى سليمان بذلك، وأنها خرجت مستسلمةً، فقال: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِى بِعَرْشِهَا}. اهـ.